العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٣١ - الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسىّ، و هو ثقيف، الثقفى، الطائفى، أبو محمد
هم فيه من الجهد و الضيق. ففرحوا و استبشروا و تقدموا. فملؤوا ما بين الحجون إلى الأبواب. فحمل ابن الزبير على أهل الشام حملة منكرة، فقتل منهم، ثم انكشف هو و أصحابه، فقال له بعض أصحابه: لو لحقت بموضع كذا؟ فقال: بئس الشيخ أنا إذا فى الإسلام، لئن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم! و دنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب. و كانوا يصيحون به: يا ابن ذات النطاقين فيقول [٢] [من الطويل]:
و تلك شكاة ظاهر عنك عارها
و جعل أهل الشام على أبواب المسجد رجالا من أهل كل بلد، فكان لأهل حمص الباب الذى يواجه باب الكعبة، و لأهل دمشق باب بنى شيبة، و لأهل الأردن باب الصفا، و لأهل فلسطين باب بنى جمح، و لأهل قنّسرين [٣] باب بنى سهم. و كان الحجاج بناحية الأبطح إلى المروة. فمّرة يحمل ابن الزبير فى هذه الناحية، و مرة فى هذه الناحية، كأنه أسد فى أجمة، ما تقدم عليه الرجال، يعدو فى إثر القوم حتى يخرجهم.
فلما رأى الحجاج أن الناس لا يقدمون على ابن الزبير، غضب و ترجل و أقبل يسوق الناس و يصمد بهم، صمد صاحب علم ابن الزبير و هو بين يديه. فتقدم ابن الزبير على صاحب علمه، و ضاربهم فانكشفوا، و عرج و صلّى ركعتين عند المقام، فحملوا على صاحب علمه فقتلوه على باب بنى شيبة، و صار العلم بيد أصحاب الحجاج، ثم حمل على أهل الشام، حتى بلغ بهم الحجون، فرمى بآجرّة، رماه بها رجل من السّكون، فأصابته فى وجهه، فأرعش و دمى وجهه، فلما وجد الدم على وجهه قال [٤] [من الطويل]:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا* * * و لكن على أقدامنا يقطر الدم [٥]
و قاتلهم قتالا شديدا. فتعاونوا عليه، فقتلوه فى جمادى الآخرة سنة ثلاث و سبعين، و حمل رأسه إلى الحجاج، فسجد و استولى على مكة.
[٢] انظر: الكامل لابن الأثير ٤/ ٣٥٤.
[٣] قنسرين: بالشام، و هى الجابية، و بينها و بين حلب اثنا عشر ميلا، و هى على نهر قويق، و هو نهر حلب يصل فى جريته إلى قنسرين ثم يغوص فى الأجمة، و قيل: بين قنسرين و حلب عشرين ميلا. انظر: الروض المعطار ٤٧٣، ٤٧٤.
[٤] انظر: الكامل لابن الأثير ٤/ ٣٥٦.
[٥] فى الكامل: تقطر.