سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - تنبيهات
رزقهم من الجنة غدوة و عشيّة» [١].
و الأحاديث و الآثار في فضل شهداء أحد كثيرة، و فيما ذكر كفاية.
السادس و العشرون:
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «جعل اللّه تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر».
قال الحافظ أبو القاسم الخثعميّ (رحمه اللّه تعالى): أنكر قوم هذه الرواية، و قالوا: لا تكون روحان في جسد واحد، و أن ذلك محال. قال: و هذا جهل بالحقائق، فإنّ معنى الكلام بيّن، فإنّ روح الشهيد الذي كان في جوف جسده في الدنيا يجعل في جوف جسد آخر كأنه صورة طائر، فيكون في هذا الجسد الآخر كما كان في الأول، إلى أن يعيده اللّه تعالى يوم القيامة كما خلقه. و هذه الرّواية لا تعارض ما رووه من قوله: في صور طير خضر، و الشهداء طير خضر، و جميع الروايات كلها متفقة المعنى، و إنّما الذي يستحيل في العقل قيام حياتين بجوهر واحد، فيجيء الجوهر بهما جميعا، و أمّا روحان في جسد فليس بمحال إذا لم نقل بتداخل الأجسام، فهذا الجنين في بطن أمّه و روحه غير روحها، و قد اشتمل عليهما جسد واحد، و هذا لو قيل: إن الطائر له روح غير روح الشهيد، و هما في جسد واحد، فكيف؟ و إنما قال في أجواف طير خضر، أو في صورة طير، كما تقول: رأيت ملكا في صورة إنسان، و كذلك قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) كما
رواه الإمام أحمد و النّسائيّ و ابن ماجة و ابن حبّان، عن كعب بن مالك:
أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة».
تأوّله بعضهم مخصوصا بالشهيد. و قال بعضهم: إنما الشهيد في الجنة يأكل حيث شاء، ثم يأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في العرش، و غير الشهيد من المؤمنين، و لكن الرّوح نفسه طائر يعلق بشجر الجنة، و يعلق- بضم اللام- أي يتشبث بها و يرى مقعده منها، و من رواه يعلق- بفتح اللام- فمعناه يصيب منها العلقة، أي ينال منها ما هو دون نيل الشهيد، فضرب العلقة مثلا، لأن من أصاب العلقة من الطعام فقد أصاب دون ما أصاب غيره ممّن أدرك الرّغد، فهو مثل مضروب يفهم منه هذا المعنى، و إن أراد ب «يعلق» الأكل نفسه فهو مخصوص بالشّهيد، فتكون رواية الضم للشهداء، و رواية الفتح لمن دونهم، و اللّه تعالى أعلم بما أراد رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) من ذلك، و إنما تأوي إلى تلك القناديل ليلا و تسرح نهارا، فيعلم بذلك الليل و النهار، و بعد دخولهم الجنة لا تأوي إلى تلك القناديل. و اللّه أعلم. و إنما ذلك مدة البرزخ. هذا ما يدلّ عليه ظاهر الحديث.
قال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنّة، و ليسوا فيها. و أنكر أبو عمر قول مجاهد
[١] أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٦٦ و الحاكم في المستدرك ٢/ ٧٤ و الطبراني في الكبير ١٠/ ٤٠٥ و ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٩٠ و ابن حبان (١٦١١) و الطبري في التفسير ٢/ ٣٤.