المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٨٩ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و من ذلك: الأضحية بالعناق [١] لأبى بردة بن نيار، رواه الشيخان من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يوم النحر فقال: «من صلى صلاتنا و نسك نسكنا فقد أصاب السنة، و من نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم»، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول اللّه، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، و عرفت أن اليوم يوم أكل و شرب فتعجلت و أكلت و أطعمت أهلى و جيرانى، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «تلك شاة لحم»، قال:
فإن عندى عناقا جذعة هى خير من شاتى لحم فهل تجزى عنى؟ قال: «نعم و لن تجزى عن أحد بعدك» [٢].
و «نيار» بكسر النون و تخفيف المثناة التحتية و آخره راء. و قوله «تجزى» بفتح أوله غير مهموز، أى تقضى. و «الجذع» بالجيم و الذال المعجمة. و فى هذا الحديث تخصيص أبى بردة بإجزاء الجذع من المعز فى الأضحية. و لكن وقع فى عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبى بردة، ففى حديث عقبة ابن عامر [٣]- عند البيهقي-: و لا رخصة فيها لأحد بعدك. قال البيهقي: إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبى بردة.
قال الحافظ ابن حجر: و فى هذا الجمع نظر، لأن فى كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثانى، و يحتمل أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثانى، و لا مانع من ذلك، لأنه لم يقع فى السياق استمرار المنع لغيره صريحا.
و فى كلام بعضهم: أن الذين ثبتت لهم الرخصة اربعة أو خمسة، و استشكل الجمع و ليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت فى ذلك ليس فيها
[١] العناق: الأنثى من المعز.
[٢] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٩٥٥) فى الجمعة، باب: الأكل يوم النحر، و مسلم (١٩٦١) فى الأضاحى، باب: وقتها.
[٣] قلت: حديث عقبة بن عامر فى الصحيحين، عند البخاري (٢٣٠٠) فى الوكالة، باب:
وكالة الشريك فى القسمة و غيرها، و مسلم (١٩٦٥) فى الأضاحى، باب: سن الأضحية.