المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩٨ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
و قد ذهبت عائشة و ابن مسعود إلى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم ير ربه ليلة الإسراء.
و اختلف عن أبى ذر. و ذهب جماعة إلى إثباتها. و حكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن: أنه حلف أن محمدا رأى ربه. و أخرج ابن خزيمة عن عروة ابن الزبير إثباتها، و به قال سائر أصحاب ابن عباس. و جزم به كعب الأحبار و الزهرى، و صاحبه معمر و آخرون و هو قول الأشعرى و غالب أتباعه. ثم اختلفوا: هل رآه بعينيه أو بقلبه؟ و جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، و أخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك، ما أخرجه النسائى بإسناد صحيح، و صححه الحاكم أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أ تعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، و الكلام لموسى، و الرؤية لمحمد- صلى اللّه عليه و سلم- [١].
و منها: ما أخرجه مسلم من طريق أبى العالية عن ابن عباس فى قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [٢] وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [٣] قال: رآه بفؤاده مرتين [٤] و له: من طريق عطاء عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. و أصرح من ذلك: ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء عن ابن عباس قال: لم يره رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بعينيه و إنما رآه بقلبه.
و على هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس و نفى عائشة، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، و إثباته على رؤية القلب. لكن روى الطبرانى فى الأوسط بإسناد رجاله رجال الصحيح، خلا جهوّر بن منصور الكوفى، و جهور بن منصور قد ذكره ابن حبان فى الثقات، عن ابن عباس أنه كان يقول: إن محمدا- صلى اللّه عليه و سلم- رأى ربه مرتين، مرة ببصره و مرة بفؤاده.
[١] أخرجه النسائى فى «الكبير» (١١٥٣٩)، و الحاكم فى «المستدرك» (١/ ١٣٣) و (٢/ ٣٠٩ و ٥٠٩).
[٢] سورة النجم: ١١.
[٣] سورة النجم: ١٣.
[٤] صحيح: أخرجه مسلم (١٧٦) فى الإيمان، باب: معنى قول اللّه عز و جل: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى.