المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٩٩ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
فى شيء من تحريم و تحليل إلا بما كان يحكم به نبينا- صلى اللّه عليه و سلم-، و لا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه فى أوان رسالته و دولته، فهو٧ تابع لنبينا- صلى اللّه عليه و سلم-. و قد نبه على ذلك الترمذى الحكيم فى كتاب ختم الأولياء، و أعرب عنه صاحب «عنقاء مغرب» [١]، و كذا الشيخ سعد الدين التفتازانى فى شرح عقائد النسفى و صحح أنه يصلى بالناس و يؤمهم و يقتدى به المهدى لأنه أفضل منه، فإمامته أولى. انتهى.
فهو- عليه الصلاة و السلام- و إن كان خليفة فى الأمة المحمدية، فهو رسول و نبى كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتى واحدا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا- صلى اللّه عليه و سلم- و الحكم بشريعته.
فإن قلت: قد ورد فى صحيح مسلم قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب و يقتل الخنزير و يضع الجزية» [٢] و أن الصواب فى معناه: أنه لا يقبل الجزية، و لا يقبل إلا الإسلام أو القتل، و هذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابى إذا بذل الجزية وجب قبولها و لم يجز قتله و لا إكراهه على الإسلام، و إذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى٧ حاكما بشريعة نبينا- صلى اللّه عليه و سلم-؟
فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى٧ إنما ينزل حاكما بهذه الشريعة المحمدية و لا ينزل نبيّا برسالة مستقلة و شريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة.
و أما حكم الجزية و ما يتعلق بها فليس حكما مستمرّا إلى يوم القيامة،
[١] هو كتاب «عنقاء مغرب فى معرفة ختم الأولياء و شمس المغرب» للشيخ محيى الدين محمد بن على، المعروف بابن عربى، الضال المعروف.
[٢] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٢٢٢٢) فى البيوع، باب: قتل الخنزير، و مسلم (١٥٥) فى الإيمان، باب: نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.