المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٩ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
فى وجهه تألفا له ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم. و قد جمع هذا الحديث كما قال الخطابى علما و أدبا، و ليس قوله- صلى اللّه عليه و سلم- فى أمته بالأمور التي يسمهم بها و يضيفها إليهم من المكروه غيبة، و إنما يكون ذلك من بعضهم فى بعض، بل الواجب عليه- صلى اللّه عليه و سلم- أن يبن ذلك و يفصح به، و يعرف الناس أمرهم فإن ذلك من باب النصيحة و الشفقة على الأمة. و لكنه لما جبل عليه من الكرم و أعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة و لم يجبهه بالمكروه، لتقتدى به أمته فى اتقاء شر من هذا سبيله و فى مداراته ليسلموا من شره و غائلته. و قال القرطبى: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش و نحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة فى دين اللّه.
ثم قال تبعا للقاضى حسين: و الفرق بين المداراة و المداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا و هو مباحة و ربما استحسنت، و المداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، و النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إنما بذل له من دنياه حسن عشرته و الرفق فى مكالمته، و مع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، و فعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقدير الإشكال و للّه الحمد. و قال القاضى عياض: لم يكن عينية- و اللّه أعلم- حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم و لم يكن إسلامه ناصحا، فأراد النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، و قد كانت منه فى حياة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و بعده أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به- صلى اللّه عليه و سلم- من علامات النبوة، و أما إلانة القول بعد أن دخل فعلى سبيل الائتلاف و فى فتح البارى: أن عيينة ارتد فى زمن الصديق و حارب ثم رجع و أسلم و حضر بعض الفتوح فى عهد عمر. انتهى.
«و ما انتقم- صلى اللّه عليه و سلم- لنفسه» [١]. رواه البخاري. فإن قلت: قد صح أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أمر بقتل عقبة بن أبى معيط و عبد اللّه بن خطل و غيرهما ممن كان يؤذيه- صلى اللّه عليه و سلم- و هذا ينافى قوله: «و ما انتقم لنفسه». فالجواب: أنهم كانوا مع
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٦٠) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (٢٣٢٧) فى الفضائل، باب: مباعدته- صلى اللّه عليه و سلم- للآثام و اختياره من المباح أسهله.