المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٠ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
يدعى أنه رسول إلى كل الناس، فلو كذبوه فيه لزم التناقض، أشار إليه صاحب المعالم [١].
و منها: نصره- صلى اللّه عليه و سلم- بالرعب مسيرة شهر
[٢]، و الشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع، لعموم رعبه فى قلوب أعدائه، فلا يقبل الرعب إلا عدو مقصود ليتميز السعيد من الشقى، و مفهوم هذا: أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب فى هذه المدة، و لا فى أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: «و نصرت على العدو بالرعب و لو كان بينى و بينهم مسيرة شهر» [٣] فالظاهر اختصاصه به مطلقا. و إنما جعل الغاية شهرا، لأنه لم يكر بين بلده- صلى اللّه عليه و سلم- و بين أحد من أعدائه أكثر من شهر و هذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى و لو كان وحده بغير عسكر، و هل هى حاصلة لأمته من بعده، فيه احتمال.
و منها: إحلال الغنائم و لم تحل لأحد قبله.
و قد كان من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له فى الجهاد، فلم تكن له مغانم، و منهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه، و جاءت نار فأحرقته [٤]. قال بعضهم: أعطى- صلى اللّه عليه و سلم- ما يوافق شهوة أمته، لأن النفوس لها التذاذ بها، لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها و غلبة، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها فى مقابلة ما قاسوه من الشدة و التعب.
و منها: جعل الأرض له و لأمته مسجدا و طهورا
[٥]، و المراد: موضع
[١] يقصد كتاب «معالم السنن» للخطابى.
[٢] صحيح: و قد ثبت ذلك فى حديث أخرجه مسلم (٢٢١) فى المساجد، باب: رقم (١) من حديث جابر- رضى اللّه عنه-.
[٣] حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (٢/ ٢٢٢)، من حديث عبد اللّه بن عمرو- رضى اللّه عنهما-.
(٤) صحيح: و الحديث الدال على ذلك أخرجه البخاري (٣١٢٤) فى فرض الخمس، باب:
قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «أحلت لكم الغنائم»، و مسلم (١٧٤٧) فى الجهاد و السير، باب:
تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٥] صحيح: و هو جزء من حديث جابر المتقدم قريبا.