المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٥ - النوع الأول فى عيشه- صلى اللّه عليه و سلم- فى المأكل و المشرب
نعم كان- صلى اللّه عليه و سلم- يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع و التبسط فى الدنيا له، كما أخرج الترمذى من حديث أبى أمامة، أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «عرض على ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا، يا رب و لكن أشبع يوما و أجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك و ذكرتك، و إذا شبعت شكرتك و حمدتك» [١] و حكمة هذا التفصيل الاستلذاذ بالخطاب، و إلا فاللّه تعالى عالم بالأشياء جملة و تفصيلا.
و عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ذات يوم و جبريل على الصفا، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «يا جبريل و الذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق، و لا كف من سويق»، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «أمر اللّه القيامة أن تقوم؟ قال: لا، و لكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال: إن اللّه سمع ما ذكرت فبعثنى إليك بمفاتيح خزائن الأرض، و أمرنى أن أعرض عليك أسير معك جبال تهامة زمردا و ياقوتا و ذهبا و فضة فإن رضيت فعلت، فإن شئت نبيّا ملكا، و إن شئت نبيّا عبدا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبيّا عبدا ثلاثا» [٢]، رواه الطبرانى بإسناد حسن.
فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، و معلوم أنه لو أخذها لأنفقها فى طاعة ربه، فأبى ذلك و اختار العبودية المحضة، فيا لها من همة شريفة رفيعة ما أسناها و نفس زكية كريمة ما أبهاها، و للّه در صاحب بردة المديح حيث قال:
و راودته الجبال الشم من ذهب * * * عن نفسه فأراه أيما شمم
و أكدت زهده فيها ضرورته * * * إن الضرورة لا تعدو على العصم
و كيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من * * * لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
[١] ضعيف: أخرجه الترمذى (٢٣٤٧) فى الزهد، باب: ما جاء فى الكفاف و الصبر عليه، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى».
[٢] قلت: انظر «مجمع الزوائد» (٩/ ١٩، ٢٠).