المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩٤ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عن هذا فقلت: يا رسول اللّه، هل رأيت ربك؟ فقال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطا.
نعم، احتجاج عائشة- رضى اللّه عنها- بالآية، خالفها فيه ابن عباس. فأخرج الترمذى من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: (رأى محمد ربه، فقلت: أ ليس يقول اللّه: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [١] قال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، و قد رأى ربه مرتين) [٢]. و قال القرطبى:
«الأبصار» فى الآية جمع محلى بالألف و اللام، فيقبل التخصيص، و قد ثبت دليل ذلك سمعا فى قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [٣] فيكون المراد: الكفار، بدليل قوله فى الآية الأخرى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [٤]، و إذا جازت فى الآخرة جازت فى الدنيا لتساوى الوقتين بالنسبة إلى المرئى، انتهى و هو استدلال جيد.
و قال القاضى عياض: رؤية اللّه تعالى جائزة عقلا، و ليس فى العقل ما يحيلها، و الدليل على جوازها: سؤال موسى٧ لها، ثم قال: و ليس فى الشرع دليل قاطع على استحالتها و لا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة، و لا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [٥] لاختلاف التأويلات فى الآية [٦]، انتهى.
و قد روى ابن أبى حاتم بسنده عن إسماعيل بن علية فى تأويل هذه الآية قال: هذا فى الدنيا. و قال آخرون: لا تدركه الأبصار، أى جميعها،
[١] سورة الأنعام: ١٠٣.
[٢] ضعيف: أخرجه الترمذى (٣٢٧٩) فى التفسير، باب: و من سورة النجم، و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى».
[٣] سورة المطففين: ١٥.
[٤] سورة القيامة: ٢٢، ٢٣.
[٥] سورة الأنعام: ١٠٣.
[٦] قلت: و أين دخل العقل فى هذا الموضوع، ثم ثانيا: ما هو الدليل الذي اعتمد عليه فى هذا الفهم!.