المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥١ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
سجود، أى لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، و يمكن أن يكون مجازا عن المكان المبنى للصلاة، و هو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة فى جميعها كان كالمسجد فى ذلك. و قيل المراد: جعلت لى الأرض مسجدا و طهورا، و جعلت لغيرى مسجدا و لم تجعل له طهورا، لأن عيسى كان يسيح فى الأرض، و يصلى حيث أدركته الصلاة، قاله ابن التين و من قبله الداودى.
و قيل: إنما أبيح لهم فى موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لهم فى جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته.
و الأظهر: ما قاله الخطابى، و هو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة فى أماكن مخصوصة كالبيع و الصوامع، و يؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ «و كان من قبلى إنما كانوا يصلون فى كنائسهم» و هذا نص فى موضع النزاع فتثبت الخصوصية. و يؤيده ما رواه البزار من حديث ابن عباس، نحو حديث جابر و فيه: و لم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى يبلغ محرابه قاله فى فتح البارى [١].
و منها: أن معجزته- صلى اللّه عليه و سلم- مستمرة إلى يوم القيامة،
و معجزات سائر الأنبياء انقرضت لوقتها، فلم يبق إلا خبرها، و القرآن العظيم لم تزل حجته قاهرة و معارضته ممتنعة.
و منها: أنه أكثر الأنبياء معجزة.
قال القاضى عياض: أما كونها كثيرة فهذا القرآن و كله معجز، و أقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين بسورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [٢] أو آية فى قدرها، و ذهب بعضهم: إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة، و ذهب آخرون إلى أن كل جملة منتظمة منه معجزة، و إن كانت من كلمة أو كلمتين.
قال القاضى: و الحق ما ذكرناه أولا، لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [٣] فهو أقل ما تحداهم به، مع ما ينصر هذا القول من نظر و تحقيق
[١] انظر «فتح البارى» (٨/ ٢٥٨).
[٢] سورة الكوثر: ١.
[٣] سورة البقرة: ٢٣.