المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٤٣ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
عطفه عليه، و لا شيء أشد للهيبه و حريقه من إعراضه عنه، و لهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم أشد عليهم من العذاب الجسمانى، كما أن نعيم أهل الجنة برؤيته تعالى و سماع خطابه و رضاه و إقباله أعظم من النعيم الجسمانى، لا حرمنا اللّه ذوق حلاوة هذا المشرب.
و من علامات محبته- صلى اللّه عليه و سلم- أن يلتذ محبه بذكره الشريف و يطرب عند سماع اسمه المنيف، و قد يوجب له ذلك سكرا يستغرق قلبه و روحه و سمعه.
و سبب هذا السكر اللذة القاهرة للعقل، و سبب اللذة إدراك المحبوب- صلى اللّه عليه و سلم-، فإذا كانت المحبة قوية و إدراك هذا المحبوب قويّا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين. فإن كان العقل قويّا مستحكما لم يتغير لذلك، و إن كان ضعيفا حدث السكر المخرج له عن حكمه. و قد حدوا السكر بأنه: سقوط التمالك فى الطرب، كأنه يبقى فى السكران بقية يلتذ بها و يطرب، فلا يتمالك صاحبها، و لا يقدر أن يفنى معها.
و قد يكون سبب السكر قوة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامه و تتغير أفعاله، بحيث يزول عقله و يعربد أعظم من عربدة شارب الخمر. و ربما قتله سكر هذا الفرح بسبب طبيعى، و هو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطا غير معتاد، و الدم هو حائل الحار الغريزى، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فيحدث الموت.
و من هذا قول سكران الفرح- بوجود راحلته فى المفازة بعد أن استشعر الموت-: اللهم أنت عبدى و أنا ربك أخطأ من شدة فرحه [١]، و سكرة الفرح فوق سكرة الشراب فصور فى نفسك حال فقير معدم، عاشق للدنيا أشد العشق، ظفر بكنز عظيم، فاستولى عليه آمنا مطمئنا، كيف تكون سكرته؟ أو
[١] صحيح: و الحديث أخرجه مسلم (٢٧٤٧) فى التوبة، باب: فى الحض على التوبة و الفرح بها، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-، إلا أن فى استخدام مصطلحات السكر شيء لا يستحب لارتباطه بالخمر التي حرمها اللّه عز و جل، و الأولى استخدام ألفاظ أخرى تناسب مقام العبودية، و اللّه الموفق إلى الصواب.