المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٥ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و قد جاء فى الحديث أنه لما خير بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا نظر- صلى اللّه عليه و سلم- إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع، فاختار- صلى اللّه عليه و سلم- العبودية [١]، فلما كان تواضعه- صلى اللّه عليه و سلم- إلى الأرض حيث أشار جبريل أورثه اللّه تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفرف الأعلى، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى، و وقف بين يديه محمود بن الربيع، و هو صغير ابن خمس سنين، فمج- صلى اللّه عليه و سلم- فى وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان فى ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق فى ذهنه من ذكر رؤية النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلا تلك المجة [٢]، فعد بها من الصحابة و حديثه مذكور فى البخاري.
و دخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة و هو فى مغتسله، فنضح الماء فى وجهها، فكان فى ذلك من البركة فى وجهها أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتا فى وجهها ظاهرا فى رونقها و هى عجوز كبيرة [٣]. و حديثها مذكور فى البخاري. فقد علمت أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان مع أصحابه و أهله، و مع الغريب و القريب من سعة الصدر و دوام البشر و حسن الخلق و السلام على من لقيه، و الوقوف مع من استوقفه و المزح بالحق مع الصغير و الكبير أحيانا، و إجابة الداعى و لين الجانب حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه.
و هذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا أو مستحبا أو مباحا، فكان يباسط الخلق و يلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته فى ظلمات دياجى الجهل، و يقتدوا بهديه- صلى اللّه عليه و سلم-.
و قد كانت مجالسه مع أصحابه- رضى اللّه عنهم- عامتها مجالس تذكير باللّه،
[١] هذه القصة ذكرها الهيثمى فى «المجمع» (٩/ ١٨- ١٩) من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه- و قال: رواه أحمد و البزار و أبو يعلى و رجال الأوليين رجال الصحيح.
[٢] صحيح: و الحديث عند البخاري (١٨٩) فى الوضوء، باب: استعمال فضل وضوء الناس.
[٣] القصة ذكرها الحافظ فى الإصابة، أما حديثها فى البخاري فهو ليس سماعا، حيث ليس لها حديث مرفوع، بل كل أحاديثها بواسطة لصغر سنها.