المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٧٠٤ - الفصل الثالث فى ذكر محبة أصحابه- صلى اللّه عليه و سلم- و آله و قرابته و أهل بيته و ذريته
و أخرج أبو داود نحوه عن أبى سلمة عن نافع بن عبد الحارث الخزاعى قال: دخل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حائطا من حوائط المدينة، فقال لبلال: «أمسك على الباب»، فجاء أبو بكر فاستأذن. فذكر نحوه [١]. قال الطبرانى: و فى حديث أن نافع بن الحارث هو الذي كان يستأذن. و هذا يدل على تكرر القصة، لكن صوب الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر عدم التعدد، و أنها، عن أبى موسى، و وهّم القول بغيره. و أنشد لنفسه:
لقد بشر الهادى من الصحب زمرة * * * بجنات عدن كلهم فضله اشتهر
سعيد زبير سعد طلحة عامر * * * أبو بكر عثمان ابن عوف على عمر
و لأبى الوليد بن [الشحنة]:
أسماء عشر رسول اللّه بشرهم * * * بجنة الخلد عمن زانها و عمر
سعد سعيد على عثمان طلحة بو * * * بكر ابن عوف ابن جراح الزبير عمر
فإن قلت: من اعتقد فى الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم، و لكن محبته لبعضهم تكون أكثر، هل يكون آثما أم لا؟
فأجاب شيخ الإسلام الولى بن العراقى: أن المحبة قد تكون لأمر دينى، و قد تكن لأمر دنيوى، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا فى واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوى كقرابة و إحسان فلا تناقض فى ذلك و لا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل الأمة بعد نبيها- صلى اللّه عليه و سلم- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على، لكنه أحب عليّا أكثر من أبى بكر مثلا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك، إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، و هذا لم يعترف بأفضلية أبى بكر إلا بلسانه، و أما بقلبه فهو مفضل لعلى لكونه أحبه
[١] حسن: أخرجه أبو داود (٥١٨٨) فى الأدب، باب: الرجل يدق الباب و لا يسلم، و قال الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود» حسن الإسناد.