المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٤ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
اللّه إخوانا» [١]. فسكن- صلى اللّه عليه و سلم- روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، و سلب عنه وصف الملوكية بقوله: «فإنى لست بملك» لما يلزمها من الجبروتية، و قال: «إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» [٢] تواضعا، لأن القديد مفضول، و هو مأكول المتمسكنة. و لما رأته- صلى اللّه عليه و سلم- قيلة بنت مخرمة فى المسجد، و هو قاعد القرفصاء، ارتعدت من الفرق [٣] رواه أبو داود. و روى مسلم عن عمرو بن العاصى قال: صحبت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، ما ملأت عينى منه قط حياء منه و تعظيما له، و لو قيل لى صفه لما قدرت [٤]، أو كما قال.
و إذا كان هذا قوله و هو من أجلة الصحابة، و لو لا أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يباسطهم و يتواضع لهم و يؤنسهم لما قدر أحد منهم أن يقعد معه و لا أن يسمع كلامه- عليه الصلاة و السلام- لما رزقه اللّه تعالى من المهابة و الجلالة. يبين ذلك و يوضحه ما روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة، و إلا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك إلى الصلاة، و ما ذاك إلا أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لو خرج على تلك الحالة التي كان عليها، و ما حصل له من القرب و التدانى فى مناجاته و سماع كلام ربه و غير ذلك من الأحوال التي يكل اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه و لا يباشره، فكان- صلى اللّه عليه و سلم- يتحدث مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، و هو التأنيس مع عائشة، أو جنس أصل الخلقة التي هى الأرض.
ثم يخرج إليهم، و ما ذاك إلا رفقا بهم، و كان بالمؤمنين رحيما. قاله ابن الحاج فى المدخل.
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٢٨٦٥) فى الجنة و صفة نعيمها، باب: الصفات التي يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة و أهل النار، من حديث عياض بن حمار المجاشعى- رضى اللّه عنه-، بدون ذكر قصة الحديث.
[٢] صحيح: أخرجه ابن ماجة (٢٣١٢) فى الأطعمة، باب: القديد، من حديث أبى مسعود- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه».
[٣] حسن: أخرجه أبو داود (٤٨٤٧) فى الأدب، باب: فى جلوس الرجل، و الحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».
[٤] صحيح: و هو جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (١٢١) فى الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله و كذا الهجرة و الحج.