المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٤١ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
إن كنت تزعم حبى * * * فلم هجرت كتابى
أ ما تأملت ما في * * * ه من لذيذ خطابى
و يروى أن عثمان بن عفان قال: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام اللّه و كيف يشبع المحب من كلام محبوبه و هو غاية مطلوبه. قال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لعبد اللّه بن مسعود: «اقرأ على» قال: أقرأ عليك، و عليك أنزل؟
فقال: «إنى أحب أن أسمعه من غيرى». فاستفتح و قرأ سورة النساء حتى بلغ فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [١] قال:
«حسبك»، فرفع رأسه فإذا عينا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- تذرفان من البكاء [٢].
رواه البخاري.
و هذا يجده من سمع الكتاب العزيز بأذن قلبه، قال اللّه تعالى: وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ [٣]. قال صاحب «عوارف المعارف»- أذاقنا اللّه حلاوة مشربه-: هذا السماع هو السماع الحق، الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان، محكوم لصاحبه بالهداية، و هذا سماع ترد حرارته على برد اليقين، فتفيض العين بالدمع، لأنه تارة يثير حزنا، و الحزن حار، و تارة يثير شوقا، و الشوق حار، و تارة يورث ندما، و الندم حار، فإذا أثار السماع هذه الصفات، من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين بكى و أبكى، لأن الحرارة و البرودة إذا اضطربتا عصرتا ماء، فإذا ألمّ السماع بالقلب تارة يخف إلمامه فيظهر أثره فى الجسد و يقشعر منه الجلد، قال اللّه تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [٤]، و تارة يعظم وقعه و يتصوب أثره- أى يقصد- نحو الدماغ فتندفق منه العين بالدمع،
[١] سورة النساء: ٤١.
[٢] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٤٥٨٢) فى التفسير، باب: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً، و مسلم (٨٠٠) فى صلاة المسافرين، باب: فضل استماع القرآن.
[٣] سورة المائدة: ٨٣.
[٤] سورة الزمر: ٢٣.