المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦١٦ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
فكيف ننهض ببعض شكره، أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره، فقد منحنا اللّه به منح الدنيا و الآخرة، و أسبغ علينا نعمه باطنة و ظاهرة، فاستحق أن يكون حظه من محبتنا له أوفى و أزكى من محبتنا لأنفسنا و أولادنا و أموالنا و أهلينا و الناس أجمعين، بل لو كان فى منبت كل شعرة منا محبة تامة له- صلوات اللّه و سلامه عليه- لكان ذلك بعض ما يستحقه علينا.
و قد روى أبو هريرة أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده و ولده» [١] رواه البخاري.
و قدم الوالد للأكثرية، لأن كل أحد له والد، من غير عكس، و فى رواية النسائى تقديم الولد على الوالد و ذلك لمزيد الشفقة، و زاد فى رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس (و الناس أجمعين)، و فى صحيح ابن خزيمة: (من أهله و ماله) بدل (من والده و ولده) و ذكر الوالد و الولد أدخل فى المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل و المال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، و لذا لم يذكر «النفس» فى حديث أبى هريرة، و ذكر الناس بعد الوالد و الولد من عطف العام على الخاص.
قال الخطابى: و المراد بالمحبة هنا، حب الاختيار لا حب الطبع. و قال النووى: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة و المطمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- راجحا، و من رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس.
و فى كلام القاضى عياض: أن ذلك شرط فى صحة الإيمان، لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم و الإجلال. و تعقبه صاحب المفهم: بأن ذلك ليس مرادا، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٤) فى الإيمان، باب: حب الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- من الإيمان، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و أخرجه البخاري (١٥) فيما سبق، و مسلم (٤٤) فى الإيمان، باب: وجوب محبة رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أكثر من الأهل و الولد، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.