المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧٦ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و يحكى عن الشيخ أبى العباس المرسى أنه قال: لو حجب عنى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- طرفة عين ما عددت نفسى من المسلمين.
و على هذا فيكون معنى «فسيرانى فى اليقظة» أى يتصور مشاهدتى و تنزل نفسه حاضرا معى بحيث لا يخرج عن آدابه و سنته- صلى اللّه عليه و سلم- بل يسلك منهاجه و يمشى على شريعته و طريقته. و منه قوله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الإحسان: «أن تعبد اللّه كأنك تراه» [١] و يحمل العموم فى «من رآنى» على الموفقين، و إليه يشير قول بعض المعتمدين: أى من رآنى رؤية معظم لحرمتى و مشتاق لمشاهدتى وصل إلى رؤية محبوبه و ظفر بكل مطلوبه.
و قريب منه قول شارح المصابيح: أو يراه فى الدنيا حالة الذوق و الانسلاخ عن العوائق الجسمانية، كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه فى حالة الذوق و الشوق، و قد قال الأهدل عقب الحكاية عن الشيخ أبى العباس المرسى: و هذا فيه تجوز يقع مثله فى كلام الشيوخ، و ذلك أن المراد أنه لم يحجب حجاب غفلة و نسيان لدوام المراقبة و استحضارها فى الأعمال و الأقوال، و لم يرد أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين، فذلك مستحيل، و اللّه أعلم. انتهى.
و مما اختص به- صلى اللّه عليه و سلم- أن التسمى باسمه ميمون و نافع فى الدنيا و الآخرة.
روينا عن أنس بن مالك أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «يوقف عبدان بين يدى اللّه تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان: ربنا بما استأهلنا الجنة و لم نعمل عملا تجازينا به الجنة؟ فيقول اللّه تعالى: ادخلا الجنة، فإنى آليت على نفسى أن لا يدخل النار من اسمه أحمد و لا محمد» [٢].
[١] صحيح: و هو جزء من حديث جبريل فى سؤاله عن الإسلام و الإيمان و الإحسان، و قد تقدم، إلا أن هذا التأويل بعيد، و لا يصح، و اللّه أعلم.
[٢] موضوع: ذكره صاحب «فيض القدير شرح الجامع الصغير» و عزاه لابن سعد عن عثمان العمرى مرسلا و الحديث ذكره ابن الجوزى فى «الموضوعات» (١/ ١٥٧)، و السيوطى فى «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٥٥).