المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣١ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
و الثانى: قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «كنت نبيّا و آدم بين الروح و الجسد» [١]، كنا نظن أنه بالعلم، فبان أنه زائد على ذلك، و إنما يفترق الحال بين ما بعد وجود جسده- صلى اللّه عليه و سلم- و بلوغه الأربعين، و ما قبل ذلك بالنسبة إلى المبعوث إليهم و تأهلهم لسماع كلامه لا بالنسبة إليه و لا إليهم، لو تأهلوا قبل ذلك، و تعليق الأحكام على الشروط قد يكون بحسب المحل القابل، و قد يكون بحسب الفاعل المتصرف فها هنا التعليق إنما هو بحسب المحل القابل، و هو المبعوث إليهم و قبولهم سماع الخطاب و الجسد الشريف الذي يخاطبهم بلسانه.
و هذا كما يوكل الأب رجلا فى تزويج ابنته إذا وجدت كفأ، فالتوكيل صحيح و ذلك الرجل أهل للوكالة، و وكالته ثابتة، و قد يحصل توقف التصرف على وجود الكفء، و لا يوجد إلا بعد مدة، و ذلك لا يقدح فى صحة الوكالة و أهلية الوكيل، انتهى.
النوع الثالث فى وصفه له ص بالشهادة و شهادته له بالرسالة
قال اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم و إسماعيل- عليهما الصلاة و السلام- عند بناء البيت الحرام رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [٢]. فاستجاب اللّه دعاءهما، و بعث فى أهل مكة رسولا منهم بهذه الصفة من ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم٨ بهذا الدعاء. فإن قلت: من أين علم أن الرسول هنا المراد به محمد- صلى اللّه عليه و سلم-؟
[١] صحيح: و قد تقدم.
[٢] سورة البقرة: ١٢٧- ١٢٩.