المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٨٥ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و عن ابن عباس قال: أيما مسلم سب اللّه أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و هى ردة يستتاب منها، فإن تاب و إلا قتل، و أيما معاهد سب اللّه أو سب أحدا من أنبيائه فقد نقض العهد فاقتلوه. «و أجيب» عما تقدم من أدلة المالكية.
فأما قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ [١] الآية فليس فيه إلا كفر مؤذيه- صلى اللّه عليه و سلم-، و أما كونه يقتل بعد التوبة و الإسلام فلا دلالة فيه أصلا، و أما ابن خطل فإنما قتل و لم يستتب للكفر و الزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل، و لأنه اتخذ الأذى ديدنا، فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة- و قلنا بكفره بها- و تاب و رجع إلى الإسلام، فالفرق واضح. و كذلك قتل جاريتيه لأنهما جعلتا ذلك ديدنا مع ما قام بهما من صفة الكفر.
و قد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبى معيط نادى: يا معشر قريش ما لى أقتل من بينكم صبرا. فقال له النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «بكفرك و افترائك على رسول اللّه» [٢] فذكر له سببين فى تحتم قتله، و هذا فى غاية الظهور. و أما قول الخطابى و غيره: «لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف فى وجوب قتله إذا كان مسلما» فمحمول على التقييد بعدم التوبة.
و أما سياق القاضى عياض لقصة الرجل الذي كذب على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و أنه بعث عليّا و الزبير ليقتلاه، فليس يفيد غرضا فى هذا المقام، لأن الظاهر أن هذا كذب، فيه إفساد و فتنة بين المؤمنين، لا سيما إن كافرا، فيكون من محاربى اللّه و رسوله، مع السعى فى الأرض بالفساد، فيكون متحتم القتل، و إلا فليس مطلق الكذب عليه مما يوجب القتل.
و كذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فقال: «من لى بها» فقال رجل من قومها: أنا يا رسول اللّه فنهض فقتلها
[١] سورة الأحزاب: ٥٧.
[٢] إسناده ضعيف: ذكره الهيثمى فى «المجمع» (٦/ ٨٩) و قال: رواه البزار و فيه يحيى بن سلمة بن كهيل، و هو ضعيف، و وثقه ابن حبان.