المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٦٦ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
و فى حديث مالك بن صعصعة: (فلما جاوزته- يعنى موسى- بكى، فنودى: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتى) [١].
و لم يكن بكاء موسى حسدا، معاذ اللّه، فإن الحسد فى ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه اللّه تعالى، بل كان آسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره، لأن لكل نبى بمثل أجر كل من اتبعه، و لهذا كان من اتبعه فى العدد دون من اتبع نبينا- صلى اللّه عليه و سلم-، مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة.
و قال العارف ابن أبى جمرة: قد جعل اللّه تعالى فى قلوب أنبيائه- عليهم الصلاة و السلام- الرأفة و الرحمة لأمتهم، و ركبهم على ذلك، و قد بكى نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «هذه رحمة و إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء» [٢]، و الأنبياء- عليهم الصلاة و السلام- قد أخذوا من رحمة اللّه أوفر نصيب، فكانت الرحمة فى قلوبهم لعباد اللّه أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان لموسى٧ من الرحمة و اللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته، لأن هذا وقت إفضال وجود و كرم، فرجا لعل أن يكون وقت القبول و الإفضال فيرحم اللّه أمته ببركة هذه الساعة.
فإن قال قائل: كيف يكون هذا، و أمته لا تخلو عن قسمين: قسم مات على الإيمان، و قسم مات على الكفر، فالذى مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة، و الذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدا، فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ، لأن الحكم فيهم قد مرّ و نفذ.
قيل: إن اللّه تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرا و قدر أن ينفذ
[١] صحيح: و قد تقدم.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (١٢٨٤) فى الجنائز، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه»، و مسلم (٩٢٣) فى الجنائز، باب: البكاء على الميت، من حديث أسامة بن زيد- رضى اللّه عنهما-.