المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٦ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
و قال على: أبيض مشرب، و المشرب: هو الذي فى بياضه حمرة، كما فى الرواية الأخرى: أبيض مشرب بحمرة، و بهذا فسر قول أنس فى صحيح مسلم: أزهر اللون. و فى النسائى من حديث أبى هريرة: بينا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- جالس بين أصحابه جاء رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذه الأمغر المرتفق [١]. و الأمغر: المشرب بحمرة. المرتفق: المتكئ على مرفقه.
و فى البخاري من حديث أنس: ليس بأبيض أمهق [٢]. قال الحافظ ابن حجر:
و وقع عند الداودى تبعا لرواية المروزى: أمهق ليس بأبيض، و فى رواية عند أبى حاتم و غيره أسمر. و استشكله بعضهم و قال: إن غالب هذه الروايات متدافع، و بعضها ممكن الجمع كالأبيض مع رواية مشرب بالحمرة و الأزهر، و بعضها غير ممكن الجمع كالأبيض الشديد الوضح مع الأسمر. و اعترض الداودى رواية أمهق ليس بأبيض. و هى التي وقعت عنده تبعا لرواية المروزى.
و قال القاضى عياض: إنها وهم، و قال: و كذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض و لا الآدم، ليس بصواب. قال الحافظ ابن حجر: هذا ليس يجيد لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض و لا بالآدم الشديد الأدمة، و إنما يخالط بياضه الحمرة، و العرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر، و لهذا جاء فى حديث أنس عند أحمد و البزار و ابن منده بإسناد صحيح أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كان أسمر، و أخرجه البيهقي فى الدلائل من وجه آخر عن أنس، فذكر الصفة النبوية فقال: كان- صلى اللّه عليه و سلم- أبيض بياضه إلى السمرة. و فى حديث ابن عباس فى صفته- صلى اللّه عليه و سلم-: رجل بين رجلين جسمه و لحمه، أحمر إلى البياض، أخرجه أحمد. و قد تبين من مجموع الروايات: أن المراد بالسمرة؛ الحمرة التي تخالط البياض، و أن المراد بالبياض المثبت ما تخالطه
[١] أخرجه ابن عساكر كما فى «كنز العمال» (١٨٥٣٣)، و لم أقف عليه فى النسائى، و لعله وهم.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٤٧ و ٣٥٤٨) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (٢٣٤٧) فى الفضائل، باب: فى صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و مبعثه و سنه.