المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٨٧ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
فَتَدَلَّى [١] و قوله: فَاسْتَوى [٢] و قوله: وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى [٣] واحد، فلا يجوز أن يخالف بين المفسرين من غير دليل.
السابع: أنه سبحانه و تعالى أخبر أن هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، و هو أفق السماء، بل تحتها فدنا من الأرض فتدلى من رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و دنو الرب تبارك و تدليه- على ما فى حديث شريك- كان فوق العرش لا إلى الأرض.
ثم نفى سبحانه و تعالى عن نبيه- صلى اللّه عليه و سلم- بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى [٤] ما يعرض للرائى الذي لا أدب له بين يدى الملوك و العظماء من التفاته يمينا و شمالا، و مجاوزة بصره لما بين يديه، و أخبر عنه بكمال الأدب فى ذلك المقام و فى تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا و لم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات، و ما هناك من العجائب، بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه إطراقه و إقباله على ما أريه دون التفاته إلى غيره و دون تطلعه إلى ما لم يره مع ما فى ذلك من ثبات الجأش و سكون القلب و طمأنينته، و هذا غاية الكمال.
و قال فى «مدارج السالكين»: و فى هذه الآية أسرار عجيبة هى من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر،- صلوات اللّه و سلامه عليه-، تواطأ هناك بصره و بصيرته و توافقا و تصادقا، فما شاهده بصره فالبصيرة مواطئة له، و ما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر، فتواطأ فى حقه، أى: ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره، و لهذا قرأها هشام و أبو جعفر ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [٥] بتشديد الذال، أى لم يكذب القلب البصر بل صدقة و واطأه بصحة الفؤاد و البصر، و كون المرئى المشاهد بالبصر و البصيرة حقّا. و قرأ الجمهور ما كَذَبَ الْفُؤادُ [٦] بالتخفيف، و هو متعد، و «ما رأى» مفعوله، أى: أى ما كذب قلبه ما رأت عيناه بل واطأه و وافقه.
[١] سورة النجم: ٨.
[٢] سورة النجم: ٦.
[٣] سورة النجم: ٧.
[٤] سورة النجم: ١٧.
[٥] سورة النجم: ١١.
[٦] سورة النجم: ١١.