المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٠ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له فيه فيتركه و يعرض عنه، و لا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، لأن اللّه تعالى قد كتب الفناء على خلقه، و استأثر بالبقاء لنفسه.
و الثانى: أن يكون معناه: ما رددت رسلى فى شيء أنا فاعله كترديدى إياهم فى قبض نفس عبدى المؤمن، كما روى فى قصة موسى- عليه الصلاة و السلام-، و ما كان من لطمه عين ملك الموت، و تردده إليه مرة بعد أخرى [١]. قال: و حقيقة المعنى- على الوجهين- عطف اللّه على العبد، و لطفه به، و شفقته عليه.؟ و قال الكلاباذى ما حاصله: أنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات، يعنى باعتبار متعلقها، أى عن الترديد بالتردد، و جعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف و نصب إلى أن تنتقل محبته فى الحياة إلى محبته للموت، فيقبض على ذلك.
قال: و قد يحدث اللّه تعالى فى قلب عبده من الرغبة فيما عنده و الشوق إليه و المحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت، فضلا عن إزالة الكراهة عنه، انتهى.
و بالجملة: فلا حياة للقلب إلا بمحبة اللّه و محبة رسوله، و لا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم و سكنت نفوسهم إليه و اطمأنت قلوبهم به، و استأنسوا بقربه و تنعموا بمحبته، ففى القلب طاقة لا يسدها إلا محبة اللّه و رسوله و من لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم و غموم و آلام و حسرات.
قال صاحب المدارج: و لن يصل العبد إلى هذه المنزلة العلية و المرتبة السنية حتى يعرف اللّه و يهتدى إليه بطرق توصله إليه، و يحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة، فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكليته،
[١] هذه القصة أخرجها البخاري (١٣٣٩) فى الجنائز، باب: من أحب الدفن فى الأرض المقدسة، و مسلم (٢٣٧٢) فى الفضائل، باب: من فضائل موسى- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.