المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٢٦ - النوع الثالث فى سيرته- صلى اللّه عليه و سلم- فى نكاحه
و أرشد- صلى اللّه عليه و سلم- من لم يستطع الباءة إلى الصوم، لأن كثرته تقلل مادة النكاح، و تضعف ما يجده المرء من الحرارة القوية التي تبعثه على النكاح، و خص الشباب فى قوله: «يا معشر الشباب» [١] لأن للشباب من شهوة النكاح ما ليس لغيرهم. و قد ظهر لك أن النكاح أعظم فى الأجر و الثواب من الصيام، فإنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يأمر أولا بالصوم إنما أمر به عند عدم الطول إلى النكاح، و إذا كان النكاح ينوى به التناسل لتكثير هذه الأمة المحمدية فهو بلا شك أفضل.
قال عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه-: إنى لأطأ النساء و ما لى إليهن حاجة، رجاء أن يخرج اللّه من ظهرى من يكاثر به محمد- صلى اللّه عليه و سلم- الأمم يوم القيامة.
ذكره ابن أبى جمرة.
و انظر كون نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- بالإجماع- أعبد الناس، مع ما طبعت عليه بشريته من حب الجماع، و كيف لم يخل بعبادته شيئا، لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها، و هذا هو غاية الكمال فى البشرية، لأنه يرجع ما طبع عليه تابعا لما أمر به.
و قد روى عنه- صلى اللّه عليه و سلم- أنه قال: «لا رهبانية فى الإسلام» [٢]. و هى ترك النساء، و لو كان تركهن أفضل لشرع ذلك فى ديننا، إذ هو خير الأديان. و قد قال سليمان٧: لأطوفن الليلة على مائة امرأة [٣]. رواه البخاري.
و هذا فيه معجزة لسليمان٧، إذ البشر عاجز عن الطواف على مائة
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٥٠٦٥) فى النكاح، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، و مسلم (١٤٠٠) فى النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، من حديث عبد اللّه بن مسعود- رضى اللّه عنه-.
[٢] لم أره بهذا اللفظ: قاله الحافظ ابن حجر، لكن فى حديث سعد بن أبى وقاص عند البيهقي «أن اللّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة»، نقلا عن «كشف الخفاء» (٣١٥٤).
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٣٤٢٤) فى أحاديث الأنبياء، باب: قول اللّه تعالى: وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، و مسلم (١٦٥٤) فى الأيمان، باب: الاستثناء، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.