المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٢٥ - النوع الثالث فى سيرته- صلى اللّه عليه و سلم- فى نكاحه
التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحا ما آثر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- غيره، و كان- مع كونه أخشى الناس للّه و أعلمهم به- يكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال، و لإظهار المعجزة البالغة فى خرق العادة لكونه كان لا يجد ما يستمتع به من القوت غالبا، و إن وجد فكان يؤثر بأكثره، و يصوم كثيرا و يواصل، و مع ذلك فكان يطوف على نسائه فى الليلة الواحدة، و لا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، و قوة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقويات من مأكول و مشروب، و هى عنده- صلى اللّه عليه و سلم- نادرة أو معدومة.
و قال بعض العلماء: لما كان الحر لفضله على العبد يستبيح من النساء أكثر مما يستبيح العبد، وجب أن يكون النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما تستبيحه الأمة. قالوا: و من فوائد ذلك، زيادة التكليف بهن مع تحمل أعباء الرسالة، فيكون ذلك أعظم لمشاقه و أكثر لأجره، و منها: أن النكاح فى حقه عبادة، و منها: نقل محاسنه الباطنة، و قد تزوج- صلى اللّه عليه و سلم- أم حبيبة و كان أبوها فى ذلك الوقت عدوه، و صفية و قد قتل أباها و عمها و زوجها، فلو لم يطلعن من باطن أحواله على أنه أكمل خلق اللّه لكانت الطباع البشرية تقتضى ميلهن إلى آبائهن و قرابتهن، فكان فى كثرة النساء عنده بيان لمعجزاته و كماله باطنا، كما عرف الرجال منه الظاهر.
و قد رغب- صلى اللّه عليه و سلم- فى النكاح. فروى أبو داود و النسائى من حديث معقل بن يسار مرفوعا: «تزوجوا الولود الودود فإنى مكاثر بكم الأمم» [١] و فى ابن ماجه عن أبى هريرة رفعه: «انكحوا فإنى مكاثر بكم الأمم». و هو معنى ما اشتهر على الألسنة: «تناكحوا تناسلوا فإنى أباهى بكم الأمم» [٢]، و لم أقف عليه بهذا اللفظ.
[١] صحيح: أخرجه أبو داود (٢٠٥٠) فى النكاح، باب: من تزوج الولود، و النسائى (٦/ ٦٥) فى النكاح، باب: كراهية تزويج العقيم، و الحاكم فى «المستدرك» (٢/ ١٧٦)، من حديث معقل بن يسار- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (٢٩٤٠).
[٢] انظر هذه الرواية فى «كشف الخفاء» للعجلونى (١٠٢١).