المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٦٩ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
فدخل على بعض أمهات المؤمنين- لعلها خالته ميمونة- فأخرجت له المرآة التي كانت للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- فنظر فيها صورة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و لم ير صورة نفسه.
و قال الغزالى: ليس معنى قوله: «فقد رآنى» أنه رأى جسمى و بدنى و إنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي فى نفسى إليه، و كذلك قوله: «فسيرانى فى اليقظة» ليس المراد أنه يرى جسمى و بدنى.
قال: و الآلة تارة تكون حقيقية و تارة تكون خيالية، و النفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى- صلى اللّه عليه و سلم- و لا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. قال: و مثل ذلك من يرى اللّه تعالى فى المنام، فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل و الصورة، و لكن تنتهى تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، و يكون ذلك المثال آلة حقّا فى كونه واسطة فى التعريف، فيقول الرائى: رأيت اللّه عز و جل فى المنام، لا يعنى أنى رأيت ذات اللّه تعالى، كما يقول فى حق غيره.
و قال الغزالى أيضا فى بعض فتاويه: من رأى الرسول- يعنى فى المنام- لم ير حقيقة شخصه المودع روضة المدينة، و إنما رأى مثاله لا شخصه، ثم قال: و ذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة و الشكل.
و قال الطيبى: المعنى من رآنى فى المنام بأى صفة كنت فليبشر و ليعلم أنه قد رآنى الرؤيا الحق، أى رؤية الحق لا الباطل، و كذا قوله: «فقد رآنى» فالشرط و الجزاء إذا اتحدا دل على الغاية فى الكمال، أى فقد رآنى رؤيا ليس بعدها شيء.
و الحاصل من الأجوبة:
أنه على التشبيه و التمثيل و يدل عليه قوله «فكأنما رآنى فى اليقظة».
ثانيها: معناه، سيرى فى اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة.
ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.