المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٧٨ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
المعجمة و الدال المهملة- هى الذوائب، واحدتها غديرة. و فى مسلم عن أنس، كان فى لحيته- صلى اللّه عليه و سلم- شعرات بيض [١]. و فى رواية عنده: لم ير من الشيب إلا قليلا، و فى أخرى له أيضا: لو شئت أن أعد شمطات كن فى رأسه و لم يخضب. و عنده أيضا: لم يخضب- صلى اللّه عليه و سلم- إنما كان البياض فى عنفقته و فى الصدغين و فى الرأس نبذ- بضم النون و فتح الباء الموحدة، و بفتح النون و إسكان الموحدة- أى شعرات متفرقة. و فى رواية أخرى: ما شانه اللّه ببيضاء.
قال الشيخ عبد الجليل فى شعب الإيمان، فيما حكاه عنه الفاكهانى: إنما كان كذلك لأن النساء يكرهن الشيب غالبا، و من كره من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- شيئا كفر. و قال فى النهاية: قد تكرر فى الحديث جعل الشيب هاهنا عيبا و ليس بعيب، فإنه قد جاء فى الحديث: أنه وقار و أنه نور، و الشيب ممدوح، و ذلك عجيب منه لا سيما فى حق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-. و يمكن الجمع بينهما: و وجه الجمع أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لما رأى أبا قحافة و رأسه كالثغامة [٢] أمرهم بتغييره و كرهه، و لذلك قال: «غيروا الشيب» [٣]، فلما علم أنس ذلك من عادته قال: ما شانه اللّه ببيضاء بناء على هذا القول و حملا له على هذا الرأى. و لم يسمع الحديث الآخر، و لعل أحدهما ناسخ للآخر انتهى. و فى رواية أبى جحيفة عنده، رأيت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و هذه منه بيضاء. و وضع الراوى بعض أصابعه على عنفقته. و فى حديث أنس عند البيهقي: ما شانه اللّه بالشيب، ما كان فى رأسه و لحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة يعنى شعرة بيضاء. و عن أبى جحيفة كان أبيض قد شمط [٤]. و رواه البخاري. و فى الصحيحين: أن
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٢٣٤١) فى الفضائل، باب: شيبه- صلى اللّه عليه و سلم-.
[٢] الثغامة: نبت أبيض الزهر و الثمر يشبه به الشيب، و قيل: هى شجرة تبيض كأنها الثلج.
[٣] صحيح: و الخبر أخرجه مسلم (٢١٠٢) فى اللباس و الزينة، باب: استحباب خضاب الشيب بصفرة، أو حمرة و تحريمه بالسواد، من حديث جابر- رضى اللّه عنه-.
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (٣٠٤٤) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.