المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦١٨ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
و بصره و نفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، و معبوده أحب إليه من ذلك كله. و الشيء قد يحب من وجه دون وجه، و قد يحب لغيره و ليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا اللّه وحده، و لا تصلح الألوهية إلا له تعالى.
و التأله هو المحبة و الطاعة و الخضوع.
و من علامات الحب المذكور لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أن يعرض الإنسان على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه و فقد رؤية النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و من لا فلا.
قال القرطبى: كل من آمن بالنبى- صلى اللّه عليه و سلم- إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، و منهم من يأخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا فى الشهوات محجوبا فى الغفلات فى أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله و ماله و ولده و يبذل نفسه فى الأمور الخطيرة و يجد رجحان ذلك من نفسه وجدانا لا تردد فيه. و قد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره و رؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر فى قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالى الغفلات، انتهى.
فكل مسلم فى قلبه محبة اللّه و رسوله، لا يدخل فى الإسلام إلا بها، و الناس متفاوتون فى محبته- صلى اللّه عليه و سلم- بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته- عليه الصلاة و السلام- من النفع الشامل لخير الدارين و الغافلة عن ذلك. و لا شك أن حظ الصحابة- رضى اللّه عنهم- فى هذا المعين أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة و هم بها أعلم.
و قد روى ابن إسحاق- كما حكاه فى الشفاء- أن امرأة من الأنصار قتل أبوها و أخوها و زوجها يوم أحد مع رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقالت: ما فعل رسول