المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧١ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و اختلاف رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم- بأن يراه بعضهم شيخا و آخر شابّا، و آخر ضاحكا و آخر باكيا، يرجع إلى حال الرائين، كاختلاف الصورة الواحدة فى مرائى مختلفة الأشكال و المقادير، ففى الكبيرة يرى وجهه كبيرا، و فى الصغيرة صغيرا، و فى المعوجة معوجّا، و فى الطويلة طويلا، إلى غير ذلك، فالاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائى، لا إلى وجه الرائى. كذلك الراءون له- صلى اللّه عليه و سلم- أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسما إليه دل على أن الرائى متمسك بسنته، و اللّه أعلم.
و قد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشى عن سؤال رؤية جماعة له- صلى اللّه عليه و سلم- فى آن واحد من أقطار متباعدة، مع أن رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم- حق: بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- سراج، و نور الشمس فى هذا العالم، مثال نوره فى العوالم كلها، و كما أن الشمس يراها كل من فى المشرق و المغرب فى ساعة واحدة و بصفات مختلفة فكذلك النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و للّه در القائل:
كالبدر من أى النواحى جئته * * * يهدى إلى عينيك نورا ثاقبا
و أما رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم- فى اليقظة بعد موته- صلى اللّه عليه و سلم- فقال شيخنا: لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة، و لا عن من بعدهم.
و قد اشتد حزن فاطمة عليه- صلى اللّه عليه و سلم- حتى ماتت كمدا بعده بستة أشهر- على الصحيح- و بيتها مجاور لضريحه الشريف، و لم ينقل عنها رؤيته فى المدة التي تأخرت عنه.
و إنما حكى بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم، كما هو فى «توثيق عرى الإيمان» للبارزى و «بهجة النفوس» لأبى محمد عبد اللّه بن جمرة، و «روض الرياحين» للعفيف اليافعى، و غيره من تصانيفه، و الشيخ صفى الدين ابن أبى المنصور فى رسالته.
و عبارة ابن أبى جمرة: قد ذكر عن السلف و الخلف إلى هلم جرّا عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث يعنى «من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة» أنهم رأوه- صلى اللّه عليه و سلم- فى النوم فرأوه بعد ذلك فى اليقظة، و سألوه عن