المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٨ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- بعيد ما بين المنكبين [١] رواه البخاري. أى عريض الصدر، و وقع عند ابن سعد من حديث أبى هريرة: رحب الصدر.
و أما قلبه الشريف- صلى اللّه عليه و سلم-، فاعلم أن القلب مضغة فى الفؤاد معلقة بالنياط، فهو أخص من الفؤاد. قاله الواحدى، و سمى به لتقلبه بالخواطر و العزوم، قال الشاعر:
و ما سمى الإنسان إلا لنسيه * * * و لا القلب إلا أنه يتقلب
و قال الزمخشري: مشتق من التقلب الذي هو المصدر لفرط تقلبه، أ لا ترى إلى ما روى أبو موسى الأشعرى عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: و مثل هذا القلب كمثل ريشة ملقاة بفلاة يقلبها الريح بطنا لظهر. قال: و الفرق بينه و بين الفؤاد، أن الفؤاد وسط القلب، سمى به لتفؤده، أى توقده. و فسر الجوهرى القلب بالفؤاد ثم فسر الفؤاد بالقلب. قال الزركشى: و الأحسن قول غيره:
الفؤاد غشاء القلب، و القلب حبته و سويداؤه، و يؤيد الفرق قوله- صلى اللّه عليه و سلم-:
«ألين قلوبا و أرق أفئدة»، و هو أولى من قول بعضهم: إنه كرر لاختلاف اللفظ.
و قال الراغب: يعبر بالقلب عن المعانى التي تختص به كالعلم و الشجاعة. و قيل: حيثما ذكر اللّه القلب فإشارة إلى العقل و العلم، كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [٢]، و حيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك و إلى سائر القوى من الشهوة و الغضب و نحوهما. انتهى.
قال بعض العلماء: و قد خلق اللّه تعالى الإنسان، و جعل له قلبا يعقل عنه، و هو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، و إذا فسد قلبه فسد سائره، و جعل سبحانه القلوب محل السر و الإخلاص، الذي هو سر اللّه
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٥١) فى المناقب، باب: صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (٢٣٣٧) فى الفضائل، باب: فى صفة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث البراء بن عازب- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة ق: ٣٧.