المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٧ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
بالتراضى، من غير ثبوت خيار، و قالوا: و اللّه لا نقيلك و لا نستقيلك، فلما تم العقد و سلموا المبيع قيل لهم؛ قد صارت نفوسكم و أموالكم لنا، رددناها عليكم أوفر ما كانت و أضعافها معها وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [١].
و من علامات محبته- صلى اللّه عليه و سلم- التسلى عن المصائب، فإن المحب يجد فى هذه المحبة ما ينسيه المصائب، و لا يجد فى مسها ما يجد غيره، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق، بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ بكثير من المصائب أعظم من التذاذ الخلى بحظوظه و شهواته، و الذوق و الوجود شاهد بذلك. فكرب المحبة موجود ممزوج بالحلاوة فإن فقد تلك الحلاوة اشتاق إلى ذلك الكرب كما قيل:
تشكى المحبون الصبابة ليتنى * * * نحلت بما يلقون من بينهم وحدى
فكانت لقلبى لذة الحب كلها * * * فلم يلقها قبلى محب و لا بعدى
و من علامات محبته- صلى اللّه عليه و سلم- كثرة ذكره، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره. و لبعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب، و لآخر: ذكر المحبوب على عدد الأنفاس. و لغيره: للمحب ثلاث علامات: أن يكون كلامه ذكر المحبوب، و صمته فكرا فيه، و عمله طاعة له. و قال المحاسبى: علامة المحبين كثرة الذكر للمحبوب على طريق الدوام، لا ينقطعون و لا يملون و لا يفترون، و قد أجمع الحكماء على أن من أحب شيئا أكثر من ذكره، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب المحبين لا يريدون به بدلا و لا يبغون عنه حولا، و لو قطعوا عن ذكر محبوبهم لفسد عيشهم، و ما تلذذ المتلذذون بشيء ألذ من ذكر المحبوب. انتهى.
فالمحبون قد اشتغلت قلوبهم بلزوم ذكر المحبوب عن اللذات، و انقطعت أوهامهم عن عارض دواعى الشهوات، و رقت إلى معادن الذخائر و بغية
[١] سورة آل عمران: ١٦٩، ١٧٠.