المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٥ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
رسل الرسل من بنى آدم إليهم لا رسل اللّه، لقوله تعالى: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [١]، قاله بعض العلماء.
و منها: أنه أرسل الملائكة
فى أحد القولين، و رجحه السبكى. قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [٢] و لا نزاع أن المراد بالعبد هاهنا محمد- صلى اللّه عليه و سلم-، و العالم هو ما سوى اللّه تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن و الإنس و الملائكة، و بطل بذلك قول من قال:
إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، لأن لفظ «العالمين» يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى جميع الخلق.
و لو قيل لمدعى «خروج الملائكة من هذا العموم» أقم الدليل عليه ربما عجز عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذره- صلى اللّه عليه و سلم- إما ليلة الإسراء و إما غيرها. لكن لا يلزم من الإنذار و الرسالة إليهم فى شيء خاص أن يكون بالشريعة كلها.
و إذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنو الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ.
و الجمهور: على أن «العالمين» فى آية الفرقان عام مخصوص بالجن و الإنس كما فسر بهما حديث «و أرسلت إلى الخلق كافة» المروى فى مسلم.
و صرح الحليمى و البيهقي- فى الباب الرابع من شعب الإيمان- بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يرسل إلى الملائكة، و فى الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه. و فى تفسير الإمام فخر الدين الرازى، و البرهان للنسفى: حكاية الإجماع فى تفسير آية الفرقان على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه العلامة الجلال المحلى و اللّه أعلم.
[١] سورة الأحقاف: ٢٩.
[٢] سورة الفرقان: ١.