المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٢٨ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
به بعظيم القدرة، و التمدح بتشريف النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- به، و إظهار الكرامة له بالإسراء. قالوا: و لو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ بالمدح.
و أجيب: بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له عنه على سبيل الامتحان عما شاهدوه و عرفوه من صفة بيت المقدس، و قد علموا أنه لم يسافر إليه، فيجيبهم بما عاين و يوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة عليهم، و كذلك وقع، و لهذا لم يسألوه عما رأى فى السماء، إذ لا عهد لهم بذلك.
و قال النووى فى فتاويه: و كان الإسراء به- صلى اللّه عليه و سلم- مرتين: مرة فى المنام، و مرة فى اليقظة.
و ذكر السهيلى تصحيح هذا المذهب عن شيخه القاضى أبى بكر بن العربى، و أن مرة النوم توطئة له و تيسير عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة، فإنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية، و كذلك الإسراء قد سهله اللّه عليه بالرؤيا، لأن هوله عظيم، فجاء فى اليقظة على توطئة و تقدمة، رفقا من اللّه بعبده و تسهيلا عليه.
و قد جوز بعض قائلى ذلك أن تكون قصة المنام قبل المبعث، لأجل قول شريك فى رواية: «و ذلك قبل أن يوحى إليه» [١]. و استشهدوا له بقول عائشة- رضى اللّه عنها-: أول ما بدئ به رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلى جاءت كفلق الصبح [٢] و سيأتى البحث فى ذلك- إن شاء اللّه تعالى-.
* و احتج القائلون بأنه أربع إسراءات يقظة بتعدد الروايات فى الإسراء،
[١] صحيح: و قد ورد ذلك فى حديث عند البخاري (٣٥٧٠) فى المناقب، باب: كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- تنام عيناه و لا ينام قلبه، و مسلم (١٦٢) فى الإيمان، باب: الإسراء برسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- إلى السماوات و فرض الصلوات، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٣) فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (١٦٠) فى الإيمان، باب: بدء الوحى إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-.