المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٠ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن و الخبر: أما القرآن فهو قوله تعالى:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [١]، و تقرير الدليل: أن «العبد» اسم للجسد و الروح، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا بجميع الجسد و الروح، و يدل عليه قوله تعالى: أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى [٢] و لا شك أن المراد هنا مجموع الروح و الجسد، و أيضا: قال سبحانه و تعالى فى سورة الجن:
وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [٣]، و المراد: مجموع الروح و الجسد و كذا هاهنا، انتهى.
و احتجوا أيضا: بظاهر قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «أسرى بى» لأن الأصل فى الأفعال أن تحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه. و بأن ذلك لو كان مناما لما كان فيه فتنة للضعفاء، و لا استبعده الأغبياء. و بأن الدواب لا تحمل الأرواح و إنما تحمل الأجسام، و قد تواترت الأخبار بأنه أسرى به على البراق.
فإن قلت: ما الحكمة فى كونه تعالى جعل الإسراء ليلا؟
أجيب: بأنه إنما جعله ليلا تمكينا للتخصيص بمقام المحبة، لأنه تعالى اتخذه- صلى اللّه عليه و سلم- حبيبا و خليلا، و الليل أخص زمان للمحبين لجمعهما فيه، و الخلوة بالحبيب متحققة بالليل [٤]. قال ابن المنير: و لعل تخصيص الإسراء بالليل ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب و ليفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم.
إذ الليل أخفى حالا من النهار، قال: و لعله لو عرج به نهارا لفات المؤمن فضيلة الإيمان بالغيب، و لم يحصل ما وقع من الفتنة على من شقى و جحد، انتهى.
و فى ذلك حكمة أخرى على طريقة أهل الإشارات، ذكرها العلامة ابن مرزوق، و هى: أنه قيل لأن اللّه تعالى لما محا آية الليل و جعل آية النهار
[١] سورة الإسراء: ١.
[٢] سورة الجن: ٩، ١٠.
[٣] سورة الجن: ١٩.
[٤] قلت: أرى أن علة ابن المنير، أولى بالترجيح.