المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٢ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
صحبه فى مسراه، صحبة بالألطاف و العناية و الإسعاف و الرعاية، و يشهد له قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «اللهم أنت الصاحب فى السفر» [١].
و تأمل قوله تعالى: يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ [٢]، و قوله أَسْرى بِعَبْدِهِ [٣] يلح لك خصوصية مصاحبة الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- للحق دون عموم الخلق.
و قرن سبحانه و تعالى «التسبيح» بهذا المسرى، لينفى بذلك عن قلب صاحب الوهم و من يحكم عليه خياله من أهل التشبيه و التجسيم ما يتخيله فى حق الحق تعالى من الجهة و الحد و المكان، و لذا قال: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [٤] يعنى ما رأى فى تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه تعالى يقول: ما أسريت به إلا لنريه الآيات، لا «إلى» فإنه لا يحدنى مكان، و نسبة الأمكنة إلى نسبة واحدة، فكيف أسرى به إلى، و أنا عنده، و أنا معه أينما كان. و للّه در القائل:
سبحان من أسرى إليه بعبده * * * ليرى الذي أخفاه من آياته
كحضوره فى غيبه و كسكره * * * فى صحوه و المحو فى إثباته
و يرى الذي عنه تكون سره * * * فى صنعه إن شاءه و هباته
و يريه ما أبدى له من جوده * * * بوجوده و الفقد من هيئاته
سبحانه من سيد و مهيمن * * * فى ذاته و سماته و صفاته
و أكده تعالى بقوله: لَيْلًا [٥] مع أن الإسراء لا يكون فى اللسان العربى إلا ليلا، لا نهارا، ليرتفع الإشكال حتى لا يتخيل أنه أسرى بروحه فقط، و يزيل من خاطر من يعتقد أن الإسراء ربما يكون نهارا، فإن القرآن
[١] صحيح: و قد ورد ذلك فى حديث أخرجه مسلم (١٣٤٢) فى الحج، باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج و غيره.
[٢] سورة يونس: ٢٢.
[٣] سورة الإسراء: ١.
[٤] سورة الإسراء: ١.
[٥] سورة الإسراء: ١.