المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٥ - النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- متشابهات
زيادة التبجيل و التعظيم، و ليس (عفا) هنا بمعنى: غفر، بل كما قال- صلى اللّه عليه و سلم-:
«عفا اللّه لكم عن صدقة الخيل و الرقيق» [١] و لم تجب عليهم قط، أى لم يلزمكم ذلك. و نحوه للقشيرى قال: و إنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب، قال: و معنى عفا اللّه عنك أى لم يلزمك ذنبا.
و أما الجواب عن الثانى فيقال: إما أن يكون صدر من الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- ذنب أم لا؟ فإن قلنا: لا، امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [٢] إنكارا عليه، و إن قلنا إنه قد صدر عنه ذنب- و حاشاه اللّه من ذلك- فقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [٣] يدل على حصول العفو، و بعد العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال:
إن قوله: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [٤] يدل على كون الرسول مذنبا، و هذا جواب كاف شاف قاطع، و عند هذا يحمل قوله لم أذنت لهم على ترك الأولى و الأكمل. بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، و غلطوا من ذهب إلى ذلك.
قال نفطويه: ذهب ناس إلى أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- معاتب بهذه الآية، و حاشاه اللّه من ذلك، بل كان مخيرا، فلما أذن لهم أعلمه اللّه أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، و أنه لا حرج عليه فى الإذن.
و أما قوله تعالى فى أسارى بدر: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إلى قوله:
عَظِيمٌ [٥]. فروى مسلم من إفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: لما
[١] صحيح: و الحديث أخرجه أبو داود (١٥٧٤) فى الزكاة، باب: فى زكاة السائحة، و الترمذى (٦٢٠) فى الزكاة، باب: ما جاء فى زكاة الذهب و الورق، و ابن ماجه (١٧٩٠) فى الزكاة، باب: زكاة الورق و الذهب، و الدارمى فى «سننه» (١٦٢٩)، و أحمد فى «المسند» (١/ ٩٢ و ١٣٢ و ١٤٥ و ١٤٦)، من حديث على- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».
[٢] سورة التوبة: ٤٣.
[٣] سورة التوبة: ٤٣.
[٤] سورة التوبة: ٤٣.
[٥] سورة الأنفال: ٦٧، ٦٨.