المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٧ - النوع العاشر فى إزالة الشبهات عن آيات وردت فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- متشابهات
بل قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر و اشتغل الناس بالسلب و جمع الغنائم عن القتال حتى خشى عمر أن يعطف عليهم العدو.
ثم قال تعالى: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [١] فاختلف المفسرون فى معنى هذه الآية: فقيل معناها لو لا أنه سبق منى أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهى لعذبتكم، فهذا ينفى أن يكون أمر الأسرى معصية. و قيل: لو لا إيمانكم بالقرآن، و هو الكتاب السابق، فاستوجبتم به الصفح لعقوبتم على الغنائم.
و قيل: لو لا أنه سبق فى اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعقوبتم. و هذا كله ينفى الذنب و المعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص، قال اللّه تعالى:
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [٢].
و قيل: بل كان- صلى اللّه عليه و سلم- قد خير فى ذلك، و قد روى عن على قال: جاء جبريل٧ إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يوم بدر فقال: «خير أصحابك فى الأسارى إن شاءوا القتل و إن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم فى العام المقبل مثلهم فقالوا الفداء و يقتل منا» [٣] و هذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه. لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان و القتل فعوتبوا على ذلك و بين لهم ضعف اختيارهم و تصويب اختيار غيرهم، و كلهم غير عصاة و لا مذنبين.
قال القاضى بكر بن العلاء: أخبر اللّه تعالى نبيه- صلى اللّه عليه و سلم- فى هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم و الفداء، و قد كان قبل هذا فادى فى سرية عبد اللّه بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمى بالحكم بن كيسان
[١] سورة الأنفال: ٦٨.
[٢] سورة الأنفال: ٦٩.
[٣] صحيح: أخرجه الترمذى (١٥٦٧) فى السير، باب: ما جاء فى قتل الأسارى و الفداء، و ابن حبان فى «صحيحه» (٤٧٩٥)، من حديث على- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».