المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٨ - النوع الثالث فى وصفه له- صلى اللّه عليه و سلم- بالشهادة و شهادته له بالرسالة
شَهِيداً [١] و قوله: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [٢] و قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [٣]، فهذا كله منه تعالى شهادة لرسوله قد أظهرها و بينها، و بين صحتها غاية البيان بحيث قطع العذر بينه و بين عباده، و أقام الحجة عليهم بكونه سبحانه شاهدا لرسوله.
و قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [٤]. فيظهر ظهورين: ظهورا بالحجة و البيان، و ظهورا بالنصر و الغلبة و التأييد حتى يظهر على مخالفيه و يكون منصورا.
و من شهادته تعالى أيضا ما أودعه فى قلوب عباده من التصديق الجازم، و اليقين الثابت و الطمأنينة بكلامه و وحيه، فإن اللّه تعالى فطر القلوب على قلوب الحق و الانقياد له، و الطمأنينة و السكون إليه و محبته، و فطرها على بغض الكذب و الباطل و النفور عنه و عدم السكون إليه، و لو بقيت الفطرة على حالها لما آثرت على الحق سواه، و لما سكنت إلا إليه، و لا اطمأنت إلا به، و لا أحبت غيره. و لهذا ندب الحق سبحانه إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له علما ضروريّا و يقينا جازما أنه حق، بل أحق كل حق، و أصدق كل صدق قال تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [٥]، فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، و استنارت فيها مصابيح الإيمان، و علمت علما ضروريّا كسائر الأمور الوجدانية باللذة و الألم أنه من عند اللّه، تكلم به حقّا، و بلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد- صلى اللّه عليه و سلم-. فهذا الشاهد فى القلب من أعظم الشواهد. انتهى ملخصا من مدارج السالكين.
[١] سورة النساء: ١٦٦.
[٢] سورة المنافقون: ١.
[٣] سورة الفتح: ٢٩.
[٤] سورة محمد: ٢٤.
[٥] سورة الأعراف: ١٥٨.