المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٦٢ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
و قيل: سألوه تعجبا من نعمة اللّه عليه بذلك، و استبشارا به، و قد علموا أن بشرا لا يترقى هذا الترقى إلا بإذن من اللّه تعالى، و أن جبريل لا يصعد إلا بمن أرسل إليه.
و قد قيل: إن اللّه تعالى أراد اطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لأنهم قالوا: أبعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، و إلا لكانوا يقولون: و من محمد مثلا؟ و لذلك أجابوا بقولهم: مرحبا به و لنعم المجيء جاء، و كلامهم بهذه الصيغة أول دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته و تحقيق رسالته، و لأن هذا أجل ما يكون من حسن الخطاب و الترفيع، على المعروف من عادة العرب.
و أما قوله: «من معك؟» فيشعر بأنهم أحسوا به- صلى اللّه عليه و سلم-، و إلا لكان السؤال بلفظ: أ معك أحد؟ و هذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، و إما بأمر معنوى كزيادة أنوار و نحوها. قاله الحافظ ابن حجر. و لعله أخذه من كلام العارف ابن أبى جمرة، حيث قال فى «بهجته»: الثانى أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقباله عليهم من زيادة الأنوار و غيرها من الماثر الحسان زيادة على ما يعهدونه منه. قال: و هذا هو الأظهر، كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة معك؟ فأخبرهم بما أرادوا و هو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه، انتهى. و قد قال بعض العلماء: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [١] أنه رأى صورة ذاته المباركة فى الملكوت فإذا هو عروس المملكة.
و أما قولهم له: «مرحبا به و لنعم المجيء جاء» فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته- صلى اللّه عليه و سلم- التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه. و فيه تقديم و تأخير، و التقدير: جاء فنعم المجيء مجيئه، و إنما لم يقل الخازن: مرحبا بك، بصيغة الخطاب، بل قال بصيغة الغيبة لأنه حياه قبل أن يفتح الباب، و قبل أن يصدر من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- خطاب، و يحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيما له، لأن «هاء» الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب.
و أما قوله فى الحديث: (فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة و عن يساره
[١] سورة النجم: ١٨.