المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٤١ - تعريف المعجزة بالدليل
الفصيح و البلاغة و الخطابة، فدل على أن العجز عنه إنما كان ليصير علما على رسالته، و صحة نبوته، و هذه حجة قاطعة و برهان واضح.
و قال أبو سليمان الخطابى: و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- من عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق اللّه على الإطلاق. و قد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال:فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا [١]فلولا علمه بأن ذلك من عند اللّه علام الغيوب، و أنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، و إلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول فى شيء، بأنه لا يكون و هو يكون. انتهى.
و هذا أحسن ما يقال فى هذا المجال و أبدعه و أكمله و أبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، و بالتقصير عن بلوغ الغرض فى المناقضة، صارخا بهم على رءوس الأشهاد، فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعى و تظاهر الاجتهاد، فقال- و كان بما ألقى إليهم من الأخبار عليما خبيرا-:قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [٢]فرضيت هممهم السرية و أنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء و هتك الحرم.
و قد ورد من الأخبار فى قراءة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بعض ما نزل عليه على المشركين الذين كانوا من أهل الفصاحة و البلاغة، و إقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمنها ما روى عن محمد بن كعب قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم- و هو جالس فى نادى قريش، و رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- جالس وحده فى المسجد-: يا معشر قريش، أ لا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورا لعله يقبل منا بعضها و يكف عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فذكر الحديث- فيما قاله عتبة و فيما عرض عليه من المال و غير ذلك- فلما فرغ قال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «أفرغت يا أبا الوليد؟»
[١] سورة البقرة: ٢٤.
[٢] سورة الإسراء: ٨٨.