المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٤٥ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
و لهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين و آثار النبوة، و يقع الجمع بينهما على الأسلوب الذي قررناه و ما أشبهه. ثم مثل بمجيء الموت فى هيئة كبش أملح، ثم بالأذكار و التلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا معان، و توجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن، و لا يوزن فى الميزان إلا الجواهر.
قال: و فى ذلك دليل لأهل الصوفية و أصحاب المعاملات و التحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم و قلوب إخوانهم، و إيمانهم و إيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح، و منهم من يعاينه مثل الشمعة، و منهم من يعاينه مثل المشعل و هو أقواها. و يقولون: بأنه لا يكون المحقق محققا حتى يعاين قلبه بعين بصيرته، كما يعاين كفه بعين بصره فيعرف الزيادة فيه من النقصان [١].
فإن قيل: ما الحكمة فى شق صدره الشريف ثم ملئ إيمانا و حكمة، و لم لم يوجد اللّه تعالى ذلك فيه من غير أن يفعل فيه ما فعل؟
أجاب العارف ابن أبى جمرة: بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- لما أعطى كثرة الإيمان و الحكمة و قوى التصديق إذ ذاك، أعطى برؤية شق البطن و القلب عدم الخوف من جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له- صلى اللّه عليه و سلم- قوة الإيمان من ثلاثة أوجه: بقوة التصديق، و المشاهدة، و عدم الخوف من العادات المهلكات فكمل له- صلى اللّه عليه و سلم- بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان باللّه عز و جل، و عدم الخوف مما سواه. و لأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه كان- صلى اللّه عليه و سلم- فى العالمين أشجعهم و أثبتهم و أعلاهم حالا و مقالا.
ففى العلوى: كان- كما أخبر- صلى اللّه عليه و سلم- أن جبريل لما وصل معه إلى مقامه قال: ها أنت و ربك، و هذا مقامى لا أتعداه، فزج فيه- أى فى النور- زجة و لم يتوان و لم يتلفت، فكان هناك فى الحضرة كما أخبر عنه ربه عز و جل بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى [٢]. و أما حاله- صلى اللّه عليه و سلم- فى هذا
[١] قلت: الإيمان عند أهل السنة و الجماعة، يزيد و ينقص، يزيد بالطاعة، و ينقص بالمعصية، و يستشعر بذلك المؤمن مع نفسه.
[٢] سورة النجم: ١٧.