المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٤٣ - المقصد الخامس الإسراء و المعراج
قال: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» [١]، زاده اللّه شرفا. و قوله: «ثم أتيت بطست من ذهب» إنما أتى بالطست لأنه أشهر آلات الغسل عرفا.
فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام فى شرعه- صلى اللّه عليه و سلم- فكيف استعمل الطست الذهب هنا؟
أجاب العارف ابن أبى جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به فى هذه الدار، و أما فى الآخرة فهو للمؤمنين خالصا، لقوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «هو لهم فى الدنيا و هو لنا فى الآخرة» [٢] قال: ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه- صلى اللّه عليه و سلم- و إنما كان غيره هو السائق له و المتناول لما كان فيه حتى وضعه فى القلب المبارك. فسوقان الطست المبارك من هناك، و كونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه.
انتهى.
و تعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفى أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه أن يستعمله غيره فى أمر يتعلق ببدنه المكرم. و يمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، و ما وقع فى تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، أو لعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب فى هذه الشريعة. و يظهر هاهنا مناسبات: منها أنه من أوانى الجنة، و منها أنه لا تأكله النار و لا التراب، و أنه لا يلحقه الصدأ، و منها أنه أثقل الجواهر فناسب قلبه- صلى اللّه عليه و سلم- لأنه من أوانى أحوال الجنة، و لا تأكله النار و لا التراب، و إن اللّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، و لا يلحقه الصدأ، و أنه أثقل من كل قلب عدل به، و فيه مناسبة أخرى و هى ثقل الوحى فيه. انتهى.
[١] قلت: هو عند البخاري (٣٤٧٧) فى أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، و مسلم (١٧٩٢) فى الجهاد و السير، باب: غزوة أحد، من حديث ابن مسعود- رضى اللّه عنه- قال:
كأنى أنظر إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يحكى نبيّا من الأنبياء ضربه قومه، و هو يمسح الدم عن وجهه و يقول: «رب اغفر لقومى، فإنهم لا يعلمون».
[٢] صحيح: و هو جزء من حديث أخرجه البخاري (٥٤٢٦) فى الأطعمة، باب: الأكل فى إناء مفضض، و مسلم (٢٠٦٧) فى اللباس و الزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب و الفضة، من حديث حذيفة- رضى اللّه عنه-.