المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٣٤ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
أصدقها، قال: نفسها فأعتقها [١]؛ هكذا أخرجه البخاري فى المغازى. و فى رواية حماد عن ثابت و عبد العزيز عن أنس فى حديثه قال: و صارت صفية لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ثم تزوجها و جعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز لثابت:
يا أبا محمد أنت سألت أنسا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. فهو ظاهر جدّا فى أن المجعول مهرا هو نفس العتق. و التأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه و بين القواعد حتى و لو كانت القيامة مجهولة، فإن فى صحة العقد بالشرط المذكور وجها عند الشافعية.
و قال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر، و لكنه من خصائصه، و ممن جزم بذلك الماوردى. و قال آخرون: قوله: «أعتقها و تزوجها» معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقا قال: أصدقها نفسها، أى: لم يصدقها شيئا فيما أعلم، و لم ينف أصل الصداق، و من ثم قال أبو الطيب الطبرى من الشافعية، و ابن المرابط من المالكية و من تبعهم: أنه قول أنس قاله ظنّا من قبل نفسه و لم يرفعه. و يعارضه ما أخرجه الطبرانى و أبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: أعتقنى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و جعل عتقى صداقى. و هذا موافق لحديث أنس، و فيه رد على من قال: إن أنسا قال ذلك بناء على ظنه.
و يحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، و هذا خاص بالنبى- صلى اللّه عليه و سلم- دون غيره. و يحتمل: أنه أعتقها بغير عوض، و تزوجها بغير مهر فى الحال، و لا فى المال، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق و إن لم يكن صداقا، قال: و هذا كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، قال: و هذا الوجه أصح الأوجه و أقربها إلى لفظ الحديث، و تبعه النووى فى «الروضة».
و ممن جزم بأن ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقي قال: و كذا نقله المزنى عن الشافعى قال: و موضع الخصوصية، أنه
[١] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٤٢٠١) فى المغازى، باب: غزوة خيبر، و أطرافه (٣٧١ و ٩٤٧ و ٢٢٢٨ و ٤٢٠٠ و ٥٠٨٦ و ٥١٦٩).