المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨٨ - تعريف المعجزة بالدليل
يعد أن رأى الناس ماء فى الميضأة فتكابوا عليها، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-:
«أحسنوا الملأ [١] كلكم سيروى»، قال: ففعلوا، فجعل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يصب و أسقيهم، حتى ما بقى غيرى و غير رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، ثم صب فقال لى: «اشرب» فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول اللّه، فقال: «إن ساقى القوم آخرهم» قال: فشربت و شرب [٢]، الحديث رواه مسلم.
و عن أنس قال: أصاب الناس سنة [٣] على عهد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فبينما النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يخطب فى يوم الجمعة، قام أعرابى فقال: يا رسول اللّه، هلك المال و جاع العيال، فادع اللّه لنا، فرفع يديه و ما نرى فى السماء قزعة [٤]، «فو الذي نفسى بيده» ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك و من الغد و من بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى، و قام ذلك الأعرابى أو غيره و قال: يا رسول اللّه، تهدم البناء و غرق المال، فادع اللّه لنا، فرفع يديه فقال:
«اللهم حوالينا و لا علينا»، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، و صارت المدينة مثل الجوبة، و سال الوادى قناة شهرا، و لم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود. و فى رواية قال: «اللهم حوالينا و لا علينا، اللهم على الآكام و الظراب و بطون الأودية و منابت الشجر» فأقلعت و خرجنا نمشى فى الشمس [٥]. رواه البخاري و مسلم.
و «الجوبة»- بفتح الجيم و الموحدة بينهما واو ساكنة- الحفرة المستديرة الواسعة، و كل منفتق بلا بناء جوبة، أى حتى صار الغيم و السحاب محيطا بآفاق المدينة. و «الجود»:- بفتح الجيم و إسكان الواو- المطر الواسع الغزير.
و عن عبد اللّه بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- حدثنا عن
[١] أى: الملء لأوانيكم.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٦٨١) في المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة.
[٣] السنة: القحط و الجدب.
[٤] القزعة: القطعة من السحاب.
[٥] صحيح: أخرجه البخاري (١٠١٣) فى الاستسقاء، باب: الاستسقاء فى المسجد الجامع.