المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨٦ - تعريف المعجزة بالدليل
و فى مغازى أبى الأسود عن عروة: أنه توضأ فى الدلو، و مضمض فاه ثم مج فيه، و أمر أن يصب فى البئر، و نزع سهما من كنانته و ألقاه فى البئر و دعا اللّه تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها و هم جلوس على شفتيها، فجمع بين الأمرين.
و كذا رواه الواقدى من طريق أوس بن خولى. و هذه القصة غير القصة السابقة فى ذكر نبع الماء من بين أصابعه- صلى اللّه عليه و سلم- مما رواه البخاري فى المغازى من حديث جابر: عطش الناس بالحديبية و بين يدى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ركوة فوضع يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه. الحديث [١]. فبين القصتين مغايرة، و جمع ابن حبان بينهما: بأن ذلك وقع فى وقتين، انتهى.
فحديث جابر فى نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، و حديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. و يحتمل أن يكون الماء لما تفجر من أصابعه و يده فى الركوة، و توضئوا كلهم و شربوا أمر حينئذ بصب الماء الذي بقى فى الركوة فى البئر فتكاثر الماء فيها. انتهى.
و فى حديث البراء و سلمة بن الأكوع مما رواه البخاري فى قصة الحديبية و هم أربع عشرة مائة، و بئرها لا تروى خمسين شاة، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- على جباها، قال البراء: و أتى بدلو منها فبصق و دعا، و قال سلمة: فإما دعا و إما بصق فيها، فجاشت فأرووا أنفسهم و ركابهم، و قال فى رواية البراء: ثم مضمض و دعا ثم صبه فيها ثم قال:
«دعوها ساعة» [٢]. قوله: «على جباها»- بفتح الجيم و الموحدة و القصر- ما حول البئر، و بالكسر: ما جمعت فيها من الماء. و قوله: «و ركابهم» أى الإبل التي يسار عليها.
و فى الصحيحين عن عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا- كان يسميه أبو
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤١٥٢) فى المغازى، باب: غزوة الحديبية.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٤١٥١) فيما سبق.