المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨٥ - النوع السابع فى آيات تتضمن وجوب طاعته و اتباع سنته
فالإيمان به- صلى اللّه عليه و سلم- واجب متعين- على كل أحد. لا يتم إيمان إلا به و لا يصح إسلام إلا معه، قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً [١] أى و من لم يؤمن باللّه و رسوله فهو من الكافرين، و إنا أعتدنا للكافرين سعيرا.
و قال تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [٢] الآية. معناه: فو ربك، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [٣] و «لا» مزيدة للتأكيد لمعنى القسم، كما فى لِئَلَّا يَعْلَمَ [٤] و لا يؤمنون جواب. أقسم اللّه تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول فى جميع أموره، و يرضى بجميع ما حكم به، و ينقاد له ظاهرا و باطنا، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفهم، كما ورد فى الحديث: «و الذي نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» [٥]، و هذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- لا يكون مؤمنا، و على أنه لا بد من حصول الرضا بحكمه فى القلب، و ذلك بأن يحصل الجزم و التيقن فى القلب بأن الذي يحكم به- صلى اللّه عليه و سلم- هو الحق و الصدق، فلا بد من الانقياد باطنا و ظاهرا، و سيأتى مزيد بيان لذلك- إن شاء اللّه تعالى- فى مقصد محبته- صلى اللّه عليه و سلم-. ثم إن ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله و حكمه، و أنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره.
و قوله: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ [٦] مشعر بذلك، لأنه متى خطر بقلبه قياس يقتضى ضد مدلول النص فهناك يحصل الحرج فى
[١] سورة الفتح: ١٣.
[٢] سورة النساء: ٦٥.
[٣] سورة الحجر: ٩٢.
[٤] سورة الحديد: ٢٩.
[٥] أخرجه الحكيم الترمذى و أبو نصر السجزى فى الإبانة و قال: حسن غريب، و الخطيب عن ابن عمرو، كما فى «كنز العمال» (١٠٨٤).
[٦] سورة النساء: ٦٥.