المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨٤ - النوع السابع فى آيات تتضمن وجوب طاعته و اتباع سنته
فانتفاء محبتهم للّه لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، و انتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة اللّه لهم، فيستحيل حينئذ ثبوت محبتهم للّه و ثبوت محبة اللّه لهم بدون المتابعة لرسوله- صلى اللّه عليه و سلم- فدل على أن متابعة الرسول هى حب اللّه و رسوله و طاعة أمره، و لا يكفى ذلك فى العبودية حتى يكون اللّه و رسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يكون شيء أحب إليه من اللّه و رسوله، و متى كان شيء عنده أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه البتة و لا يهديه اللّه، قال اللّه تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [١]، فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة اللّه و رسوله أو قول أحد منهم على قول اللّه و رسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة اللّه و رسوله، أو خوف أحد منهم و رجاءه و التوكل عليه على خوف اللّه و رجائه و التوكل عليه، أو معاملة أحد منهم على معاملة اللّه و رسوله، فهو ممن ليس اللّه و رسوله أحب إليه مما سواهما، و إن قال بلسانه فهو كذب منه، و إخبار بما ليس هو عليه. انتهى ملخصا من كتاب «مدارج السالكين»، و سيأتى مزيد لذلك- إن شاء اللّه تعالى- فى مقصد محبته- صلى اللّه عليه و سلم-.
و قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [٢]. أى إلى الصراط المستقيم، فجعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، الإيمان بالرسول و اتباعه، تنبيها على أن من صدقه و لم يتابعه بالتزام شرعه فهو فى الضلالة، فكل ما أتى به الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- يجب علينا اتباعه إلا ما خصه الدليل.
و قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [٣] يعنى القرآن،
[١] سورة التوبة: ٢٤.
[٢] سورة الأعراف: ١٥٨.
[٣] سورة التغابن: ٨.