المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٤ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
خلق اللّه القلم، و هو أثبت من حديث العقل. و لأبى الشيخ عن قرة بن إياس المزنى رفعه: «الناس يعملون الخير و إنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم» [١].
و قد اختلف فى ماهية العقل اختلافا طويلا يطول استقصاؤه. و فى القاموس و من خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها و قبحها و كمالها و نقصانها، أو العلم بخير الخيرين و شر الشرين، أو يطلق لأمور لقوة بها يكون التمييز بين القبيح و الحسن، و لمعان مجتمعة فى الذهن تكون بمقدمات يستثبت بها الأغراض و المصالح، و لهيئة محمودة للإنسان فى حركاته و كلماته، و الحق أنه روحانى به تدرك النفس العلوم الضرورية و النظرية، و ابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى.
و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- من كمال العقل فى الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، و لهذا كانت معارفه عظيمة و خصائصه جسيمة، حارت العقول فى بعض فيض ما أفاضه من غيبه لديه، و كلّت الأفكار فى معرفة بعض ما أطلعه اللّه عليه، و كيف لا يعطى ذلك و قد امتلأ قلبه و باطنه و فاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته و معرفة ربوبيته و تحقق عبوديته. قال وهب بن منبه: قرأت فى أحد و سبعين كتابا، فوجدت فى جميعها أن اللّه تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل فى جنب عقله- صلى اللّه عليه و سلم- إلا كحبة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، و إن محمدا أرجح الناس عقلا و أفضلهم رأيا. رواه أبو نعيم فى الحلية و ابن عساكر.
و عن بعضهم مما هو فى عوارف المعارف: اللب و العقل مائة جزء، تسعة و تسعون فى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و جزء فى سائر المؤمنين، و من تأمل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشادر، و الطبع المتنافر و المتباعد، و كيف ساسهم و احتمل جفاءهم و صبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، و اجتمعوا عليه،
[١] ضعيف: أخرجه أبو الشيخ، كما فى «كنز العمال» (٧٠٥٢).