المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٤ - النوع الأول فى عيشه- صلى اللّه عليه و سلم- فى المأكل و المشرب
و قد استشكل كونه- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، و أنه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير مما أفاء اللّه عليه، و أنه ساق فى عمرته مائة بدنة فنحرها و أطعمها المساكين، و أنه أمر لأعرابى بقطيع من الغنم، و غير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبى بكر و عمر و عثمان و طلحة و غيرهم، مع بذلهم أنفسهم و أموالهم بين يديه. و قد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، و عمر بنصفه، و حث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك.
و أجاب عنه الطبرى- كما حكاه فى فتح البارى- أن ذلك كان منهم فى حالة دون حالة لا لعوز و ضيق، بل تارة للإيثار و تارة لكراهة الشبع و كثرة الأكل، انتهى. و تعقب: بأن ما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث و أخرج ابن حبان فى صحيحه عن عائشة: «من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم» [١]، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التمر و الودك إلى غير ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: و الحق أن الكثير منهم كانوا فى حال ضيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل و المنائح، فلما فتحت لهم النضير و ما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم.
و قد قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لقد أخفت فى اللّه و ما يخاف أحد، و لقد أوذيت فى اللّه و ما يؤذى أحد، و لقد أتت على ثلاثون من يوم و ليلة ما لى و لبلال طعام يأكله أحد إلا شيء يواريه إبط بلال» [٢]. رواه الترمذى و صححه.
[١] إسناده قوى: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٦٨٤)، و قال الشيخ شعيب الأرناءوط:
إسناده قوى.
[٢] صحيح: أخرجه الترمذى (٢٤٧٢) فى صفة القيامة و الرقائق و الورع، و ابن ماجه (١٥١) فى المقدمة، باب: فى فضائل أصحاب رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».