المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٠١ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
قال مجاهد: كنتم خير أمة أخرجت للناس إذا كنتم على الشرائط المذكورة، أى: تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر. و قيل: إنما صارت أمة محمد- صلى اللّه عليه و سلم- خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر، و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فيهم أفشى. و قيل: هذا لأصحاب محمد- صلى اللّه عليه و سلم-، كما قال- صلى اللّه عليه و سلم-:
«خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» [١] و هذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدها. و إلى هذا ذهب معظم العلماء.
و أن من صحبه- صلى اللّه عليه و سلم- و رآه و لو مرة من عمره أفضل من كل من يأتى بعده، و أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، هذا مذهب الجمهور.
و ذهب أبو عمر بن عبد البر: إلى أنه قد يكون فيمن يأتى بعد الصحابة أفضل ممن كان فى جملة الصحابة، و أن قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «خير الناس قرنى» ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل و المفضول، و قد جمع قرنه- صلى اللّه عليه و سلم- جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، و أهل الكبائر الذين أقام عليهم و على بعضهم الحدود، و قد روى أبو أمامة أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «طوبى لمن رآنى و آمن بى، و طوبى سبع مرات لمن لم يرنى و آمن بى» [٢].
و فى مسند أبى داود الطيالسى عن محمد بن أبى حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسا عند النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «أ تدرون أى الخلق أفضل إيمانا؟» قلنا: الملائكة، قال: «و حق لهم، بل غيرهم». قلنا:
الأنبياء، قال: «و حق لهم، بل غيرهم»، قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «أفضل الخلق إيمانا قوم فى أصلاب الرجال يؤمنون بى و لم يرونى فهم أفضل الخلق إيمانا» [٣].
و روى أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد اللّه أن اكتب إلى بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت
[١] صحيح: و قد تقدم قريبا.
[٢] صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٢٤٨ و ٢٥٧ و ٢٦٤)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٧٢٣٣)، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى صحيح الجامع» (٣٩٢٤).
[٣] لم أجده فيه، و لا فى غيره.